يحيي بن حمزة العلوي اليمني

15

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

والتركيب ، كقولنا قام زيد ، فإن الإعراب لا يحصل إلا لمجموعهما . فالتركيب أقلّه من جزئين . والعقد إسناد أحدهما إلى الآخر . فلو حصل أحدهما وتعذر الآخر ، لفات المعنى ، ولبطل الإعراب . فصار علم الإعراب متميزا عن علم اللغة العربية بما ذكرناه ، معطيا فائدة غير ما يعطيه علم اللغة لأجل الإفراد والتركيب . النوع الثالث : علم التصريف . وهو علم يتعلق بتصحيح أبنية الألفاظ المفردة ، وإحكام قوالبها على الأقيسة المطردة في لسان العرب بالقلب ، كما في قال ورمى ، والحذف كما في قولنا : قل ، وبع ، والإبدال ، كما في قولنا : ميعاد ، وصراط ، وغير ذلك . وهو علم جليل القدر ، ولا يختص به إلّا الأذكياء من علماء الأدب ، كما أثر عن أبي عثمان المازنىّ وأبى الفتح ابن جنى ، وغيرهما . وقد يقع فيه معظم الزّلل لمن لم يحرز أصوله ولا يحكمها ، كما وقع من نافع المقرئ في همزه شبه معايش وهو خطأ . قال أبو عثمان المازني : إن نافعا لم يدر ما العربية . ومعذرته في ذلك ، هو أنه شبه ياء معيشة بياء سفينة . فمن ثمّ همزها لمشاكلتها لها في صورتها . وليس عذره في ذلك أنه اعتقد أن معيشة فعلية كما قاله ابن الأثير معتذرا له . لأن هذا يكون ضم جهل إلى جهل . ولما لم يختص نافع برسوخ قدم في علم الإعراب وقع في حرفه في قراءته ضعف كإسكان ياء « محياي » وجمعه بين الساكنين ، ونحو إثباته لهاء السكت في حال الوصل ، وقراءة « أتحاجّوني » بنون واحدة . النوع الرابع من علوم الأدب : علم البلاغة والفصاحة وهما يأخذان من العلوم الأدبية صفوها ، ويقعان منها مكان الواسطة من عقدها ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول : العلم المعبّر عنه بعلم البيان هو علم الفصاحة . وعلم المعاني هو المعبّر عنه بعلم البلاغة . وهو أجلّ العلوم الأدبية قدرا ومكانا وأعلاها منزلة وأكبرها شأنا لأنه علم يستولى على استخراج أسرار البلاغة من معادنها . وهذه توجد محاسن النّكت المودعة في أصدافها ومكامنها . وهو الغاية التي ينتهى إليها فكر النّظّار ، والضّالة التي يطلبها غاصة البحار . وعليه التعويل في الاطّلاع على حقائق الإعجاز في القرآن ، وإليه الإسناد عند المسابقة في الخصل والرهان . ومنه تستثار المعاني الدقيقة على مرّ الدّهور وتخرّم الأزمان فظهر بما ذكرناه أن موقع علم البيان من العلوم الأدبية موقع الإنسان من سواد الأحداق . ومن ثمّ لم يستقل بدركه وإحراز أسراره إلا كل سباق .